
الدكتور/ يحيى زكريا الشحى.
ان الموازنة العامة للدولة تلعب دورا مهما اساسيا في تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعتبر الوسيلة الأساسية التي تحدد اهداف وبرامج الحكومة وطريقة استغلال الموارد حتى تتمكن من التأثير على الاستثمار والاستهلاك والإنتاج وتوزيع الدخل القومي. فالموازنة العامة عبارة عن خطة مالية تقديرية لسنة مقبلة تتكون من نفقات وايرادات عامة للدولة، بحيث تحقق فائض وتتجنب الوقوع بحالة العجز عندما تزيد النفقات على الايرادات. لذلك يعتبر عجز الموازنة العامة من اهم القضايا التي يهتم بها الباحثون في مختلف دول العالم، لان نجاحها يقاس بمدي قدرة الدولة علي حسن إدارتها للسياسة المالية وما يترتب عليها من جوانب مؤثرة اقتصاديا واجتماعيا. وبما ان السياسة المالية تعتمد بين تقدير الايرادات والنفقات العامة للدولة، تحاول تجنب الوقوع بالعجز، لذلك تبحث عن الوسائل والأدوات المالية لتمويل وسد العجز بأقل التكاليف.
ويعد العجز إحدى المظاهر الغير سليمة والخاطئة للسياسة المالية، وبالتالي يترتب عليها اثار سلبية على الاقتصاد الوطني. ولا تعد ظاهرة العجز حديثة وانما هي قديمة، ولا تقتصر على الدول النامية فقط بل تظهر في الدول المتقدمة كثيرا.
ان عجز الميزانية الحكومية ولدت ضجيجا كبيرا بين مختلف الأيديولوجيات منذ العقد الماضي في قضايا السياسة الاقتصادية، بان العجز بالغ الاهمية لمستقبل الدول، على الرغم من أن الاقتصاديين أكثر انقساما حول هذه القضية، فإن العديد من الاقتصاديين يشاركون الرأي القائل بأن العجز ضار، وربما كارثي. حيث ان الادبيات العلمية اثبتت ان هناك علاقة وثيقة بين عجز الموازنة والنمو الاقتصادي، حيث زيادة معدلات العجز تقلل من نسبة النمو الاقتصادي.
غالبا أسباب حالة العجز بالموازنة العامة نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي، زيادة الانفاق الحكومي، ارتفاع بمعدلات البطالة، او حدث خارج عن السيطرة مثل جائحة كوفيد-١٩ مؤخرا، او الازمات المالية. وبسبب هذي الظواهر تلجا الدولة للتعامل مع العجز عبر تحفيز النمو الاقتصادي، خفض الانفاق العام، زيادة الضرائب، تشجيع الاستثمار عبر تخفيف القوانين التنظيمية والتسهيلات، او الاقتراض وبالتالي ينتج ارتفاع الدين العام.
وفي المقابل تختلف الاتجاهات بان عجز الموازنة يحفز نمو الناتج المحلي الإجمالي، لأن الحكومة تضخ أموالا في الاقتصاد أكثر مما تأخذها، وبالتالي تدعم الاقتصاد الوطني. قد يؤدي ارتفاع العجز المالي إلى تأثير مضاعف مالي إيجابي قد يحفز بدوره استثمار القطاع الخاص، مما يمكن أن يساعد الحافز المالي باقتراض المزيد على منع الاقتصاد من الوقوع في كساد انكماشي، من جهة اخرى قد يعكس العجز الإنفاق الإضافي للحكومة إيجابا على قيام المشاريع الرأسمالية والبنية التحتية، وتحفيز سياسات العرض والطلب، وبالتالي يزيد ذلك من النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
ساعد التوسع المالي القوي بعد الازمة المالية في اواخر ٢٠٠٨، على استقرار الاقتصاد العالمي في مواجهة الضغوط الانكماشية الحادة التي نجمت عن ازمة الرهون العقارية. ومن جانب اخر، فقد اتجه العجز في الموازنة العامة إلى التزايد في مختلف دول العالم فأصبح يعد من أحد المشاكل الاقتصادية، التي تواجهها الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. والان العالم يواجه مخاطر انكماش اقتصادي حاد بسبب جائحة كوفيد-١٩، وما ترتب عليه من إجراءات عالمية لمكافحته عبر اغلاق كلي لاقتصاديات دول العالم.
في النهاية ان مبادئ نظرية النمو الاقتصادي الكينزية لها تطبيق واسع في مختلف دول العالم من خلال تدخل الحكومة في تحريك وتحفيز العجلة الاقتصادية، ولكن بالمقابل السياسة المالية الخاطئة او تقلبات الاقتصاد العالمي (الازمات المالية – الاوبئة) لها تأثير أكبر علي أي اقتصاد وطني.