ذكاء الملك وأكاديمية طرحه
حين يتقاطع الفكر الأكاديمي الرصين مع عمق الرؤية السياسية والشفافية العالية، يخرج الخطاب من حدود الإنشاء التقليدي إلى مساحات التأسيس المعرفي والاستراتيجي. وهذا ما سجله جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم في خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ لم يقدم قراءة سياسية عابرة للمشهد الدولي بل قدم نموذجاً أكاديمياً رفيعاً في تفكيك أدوات العصر الحديث واستثمارها بصدق ووضوح في خدمة قضايا الأمة والعدالة الدولية. إن هذا الطرح ينمّ عن قائد لا يكتفي بمتابعة مجريات الأحداث، بل يغوص في بنيتها التحتية الفكرية والسيكولوجية. ولعل أبرز ما يميز أكاديمية الخطاب الملكي هو قدرته الفذة على جسر الهوة بين علوم العصر الحديث مثل الاقتصاد السلوكي (Behavioral Economics) وعلم النفس الرقمي (Digital Psychology) وبين السياسة الدولية، مُستنداً في ذلك إلى سعة اطلاع مذهلة توازي أحدث ما تنتجه الجامعات والمراكز البحثية العالمية والمجلات العلمية الأكاديمية المُحكمة ذات معامل التأثير العالي.
وما طرحه جلالة الملك في هذا السياق جاء متوافقاً تماماً مع أحدث الدراسات العلمية الرائدة؛ وتحديداً الأبحاث التطبيقية مثل دراسات الدكتورة غلوريا مارك (Dr. Gloria Mark) أستاذة المعلوماتية (Informatics) في جامعة كاليفورنيا، والتي تتبعت عبر أوراقها البحثية:(Mark et al., 2005)
(No task left behind? Examining the nature of fragmented work)
ودراستها المتقدمة حول تكلفة انقطاع العمل (Mark et al., 2008)
(The Cost of Interrupted Work: More Speed and Stress)
بانكماش قدرة الإنسان على التركيز والذي تراجع من دقيقتين ونصف (150 ثانية) في الدراسات الأولى وصولاً إلى عتبة دقيقة التي تبلغ 47 ثانية. وهو ما أكدته أيضاً التقارير والأوراق البيضاء الصادرة عن مراكز الأبحاث العالمية الكبرى مثل Microsoft Research حول قياس أنماط العمل الرقمي، قبل أن توثق Mark خلاصات هذه القياسات في كتابها المرجعي (Mark, 2023) المعنون بـ:
(Attention Span: A Groundbreaking Way to Restore Balance, Happiness and Productivity).
وما يزيد هذا الخطاب تميزاً وفرادة هو صدوره بطلاقة استثنائية وثقة قيادية مقتدرة تعكس حضوراً ذهنياً ذا بصيرة نافذة، في مشهد تجسدت فيه الكاريزما الملكية بأبهى صورها وهي تخاطب العالم دون الحاجة للتقيد الجاف بالنصوص. فقد جاء الخطاب متسقاً في تسلسل أفكاره، قوياً في سبك ألفاظه، جزيلاً في تعابيره، وبارعاً في انتقالاته السلسة والمُحكمة بين تشخيص سيكولوجية العصر واقتصاد الانتباه (Attention Economy)، وصولاً إلى صلب الأزمات الجيوسياسية الكبرى ومواقف الأردن الثابتة والتاريخية. إنَّ هذا التقاطع المذهل بين الرؤية الملكية والعلم الحديث منح الخطاب أداة تحليل موضوعية لتشخيص داء العصر المسمى بجيوسياسية التشتيت. فقد نجح جلالته في تأسيس قراءة تحليلية متكاملة تفسر كيف تستغل القوى المهيمنة هذا التراجع المعرفي العالمي لتفريغ القضايا الكبرى وعلى رأسها جرائم التهجير والإبادة في غزة والضفة الغربية، وصولاً إلى أزمات الأمن المناخي والاستدامة البيئية من محتواها الحقيقي، وهي الأزمات التي أثبتت التقارير الاستراتيجية الحديثة الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) والبنك الدولي (World Bank) ارتباطها الوثيق باستقرار الأمن الإنساني ومخاطر التغير المناخي العابر للحدود (SIPRI, 2025, 2026; World Bank, 2026).
ومن خلال تفكيك أدوات اقتصاد الانتباه، أوضح جلالة الملك كيف تتحول هذه الأزمات الوجودية الكبرى إلى مجرد محتوى رقمي عابر يُستهلك ويُمرر دون اكتراث، مما يصنع حالة ممنهجة من التطبيع اللاواعي والتبلد الذهني لدى المجتمع الدولي، ليغيب الوعي عن الاستدامة الحقيقية للإنسان والأرض في ظل تصاعد التهديدات البيئية والجيوسياسية. ولم تتوقف هذه الأكاديمية السياسية عند حدود التشخيص السيكولوجي، بل تجاوزته إلى تفكيك الخطاب المصطلحي المضلل فحين يعيد الملك تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية بكل صراحة ووضوح، مؤكداً أن هدم المنازل ليس تنفيذاً للقانون بل تهجير قسري، وأن الاستيلاء على الأراضي ليس تسجيلاً بل ضم فعلي، وأن الحواجز ليست أمناً بل قمع، فإنه يمارس تفكيكاً نقدياً عالياً للمفاهيم ليكشف تقاعس المنظومة الدولية عن مواجهة الحقيقة. وقد امتد هذا الثبات الأخلاقي ليشمل التذكير بالمسؤولية التاريخية للوصاية الهاشمية في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس، والدور الاستثنائي للأردن في حماية الأمن الإنساني ومظلة اللاجئين نيابة عن العالم.
في الواقع، إن ذكاء الملك وأكاديمية طرحه يضعان العالم أمام قاعدة فلسفية وأخلاقية صارمة تسقط خيار التجاهل، فالمستقبل لا تُشكّله القرارات المُعلنة فحسب، بل تحدده أيضاً القضايا التي يختار العالم تجاهلها. وبرأيي، إن من يتابع كلمة جلالة الملك ينتابه الفخر بهذا القائد الاستثنائي، الذي يمثل مثالاً يُحتذى به للأكاديميين، فهو المثقف واسع الاطلاع، الذي يقرأ ما بين السطور ويجسد نبض العصر بعين الباحث الفاحص، ويوظف أعمق الرؤى وأدق المعارف الإنسانية والعلوم ليبقى صوت الضمير الحي والمدافع الأمين عن عدالة الإنسان وقضايا أمته.
حمى الله الأردن سالماً في ظل جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم.
Dr.hhaddad@outlook.com
