تجميد الأصول..رؤية ملكية
قدم جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في مستهل خطابه في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين العديد من المصطلحات السياسية والقانونية والاقتصادية الدولية التي تشكل مفاهيم أكاديمية مهمة، ومن ضمنها المفهوم المحاسبي تجميد الأصول. حيث نشأ هذا المفهوم في العصر الحديث كإجراء طارئ وقيد قانوني سيادي تفرضه السلطات للتحفظ على الأموال دون نقل ملكيتها، وتبلور كأداة مالية دولية بارزة في العام 1979 عندما قامت الولايات المتحدة الأميركية بتجميد أصول الدولة الإيرانية وأرصدتها المصرفية كإجراء قانوني ردعي لفرض عقوبات وقائية تستهدف شلل القدرات المالية للخصوم، لتتبناه لاحقاً منظومة الأمم المتحدة ومجموعة العمل المالي الدولية (FATF) عبر توصياتها الصارمة (كالتوصية رقم 6) التي تُلزم الدول والبنوك بالتنفيذ الفوري دون إبطاء، مما جعلها سلاحاً استراتيجياً يُدار وفق قواعد حوكمة مالية صارمة تحكمها المؤسسات الدولية، ولتصبح أداة رئيسية في هندسة النظام المالي العالمي المعاصر.
ومن الناحية المحاسبية والمالية، يتعامل الفكر المالي مع هذه الحالة باعتبارها تحولاً للأموال كأصول مقيدة (Restricted Asset) لا تتغير ملكيتها الأصلية لكنها تُمنع من التداول أو استثمار العوائد. وهنا يفرض معيار التقارير المالية الدولي الحديث (IFRS 18) المتعلق بعرض القوائم المالية إفصاحاً إجبارياً ودقيقاً في الإيضاحات المرفقة، نظراً لتأثير هذه الأرصدة المجمدة على سيولة الدول والشركات ومؤسساتها الاستثمارية المستثمرة في الخارج وقدرتها على الاستمرار. وتكمن الأهمية المحاسبية لهذا الإجراء في قطع شرايين السيولة النقدية وتجفيف مصادر تمويل الأنشطة الخارجة عن القانون، فارضاً واقعاً اقتصادياً ضاغطاً يربك المنظومات المالية المخالفة للشرعية الدولية، ويجبر الكيانات المعاقبة على إعادة تقييم مخاطرها التشغيلية والالتزام بالقوانين الناظمة للأسواق العالمية عبر إخضاع تدفقاتها النقدية لرقابة مصرفية مشددة تعطل قدرتها على المناورة، وهو ما يعكس تكامل الأطر المحاسبية مع الأهداف الجيوسياسية في محاصرة مصادر التمويل غير المشروعة وضمان استقرار الأسواق المالية العالمية.
وقد وظّف جلالة الملك هذا التعبير الاستراتيجي في خطابه الأممي ليؤكد على حقيقة صارخة تتمثل في ازدواجية المعايير الدولية؛ فالعالم يمتلك الأدوات الفاعلة مثل تجميد الأصول والعقوبات الرادعة ولكنه يتقاعس عن استخدامها عندما يتعلق الأمر بمساءلة إسرائيل ووقف انتهاكاتها المستمرة في غزة والضفة الغربية. لقد استخدم جلالة الملك هذا المفهوم ليبرهن على أن غياب الفعل الحقيقي لا يعود إلى قلة في الخيارات أو الأدوات بل هو خيار سياسي يمنح الاحتلال مظلة من الإفلات العقابي. ومن هنا، فإن الرؤية الملكية تدعو المجتمع الدولي لتجاوز مرحلة الحبر على ورق وتفعيل هذه الأدوات الاقتصادية بحزم وعدالة، لأن استمرار التجاهل العالمي سيمتد خطره لتهديد الأمن الإقليمي والدولي بأكمله. برأيي، إن استعادة المصداقية الدولية تبدأ بتطبيق معايير العدالة على الجميع دون استثناء وحماية مستقبل الشعوب من تبعات الظلم والتقاعس المستمر، وهو ما يحتم صحوة ضمير عالمية تعيد الاعتبار لقواعد القانون الدولي وتضع حداً نهائياً لثقافة الإفلات من العقاب.
Hhaddad@outlook.com
