العمالة والاقتصادات العالمية

يعتبر توسيع القطاعات التصديرية في البلدان النامية أمراً هاماً حيث يجعل معدلات النمو تزدهر مع استيعاب فائض البطالة في القطاعات التصديرية كالزراعة مثلاً. ومع ارتفاع الدخل والقوة الشرائية تتوسع القطاعات المحلية إلى جانب القطاعات القابلة للتداول. وتميل الإنتاجية والإيرادات في القطاعات التحويلية كثيفة العمالة التي يغلب عليها الطابع الحضري إلى أن تكون أعلى بمقدار 3 إلى 4 أضعاف مما هي عليه في القطاعات التقليدية، وبالتالي فإن متوسط الدخل يرتفع مع تزايد عدد العاملين في قطاع التصدير الآخذ في التوسع. ولكن هذا يعني أيضاً أن نمو الأجور في قطاع التصدير سوف يظل منخفضاً ما دام هناك فائض في العمالة في أماكن أخرى ولأن توافر العمالة ليس عائقاً، فإن العامل الحاسم فيما يتصل بالنمو يتلخص في مستوى الاستثمار في رأس المال وهو المستوى المطلوب حتى في القطاعات الكثيفة العمالة. وتتوقف عائدات هذا الاستثمار على الظروف التنافسية في الاقتصاد العالمي.

ويمكن لهذه الديناميكيات أن تسفر عن معدلات نمو مرتفعة بشكل كبير ويمكن أن تستمر لسنوات لا بل وعقود. ولكن عندما يستنفد فائض المعروض من العمالة، يصل الاقتصاد إلى ما يسمى بنقطة التحول. وعادة ما يحدث هذا قبل أن يخرج بلد ما من نطاق الدخل المتوسط الأدنى، فقد وصلت الصين على سبيل المثال إلى نقطة التحول قبل 10-15 عاماً الأمر الذي أحدث تحولاً كبيراً في ديناميكية النمو. إن نقطة التحول لم تعد تكلفة الفرصة البديلة لتحويل المزيد من العمالة من القطاعات التقليدية إلى القطاعات الحديثة ضئيلة، حيث تبدأ الأجور في الزيادة في الاقتصاد ككل، مما يعني أنه إذا استمر النمو يجب ألا يكون الدافع هو تحويل اليد العاملة من القطاعات المنخفضة الإنتاجية إلى القطاعات ذات إنتاجية الأعلى، بل هو زيادة الإنتاجية داخل الصناعات. ولأن هذا التحول كثيراً ما يفشل، فإن نقطة التحول هي عندما تقع العديد من الاقتصادات النامية في فخ” الدخل المتوسط”.

عندما بدأ الاقتصاد العالمي في الانفتاح وأصبح أكثر تكاملاً منذ عدة عقود، تحولت كميات هائلة من العمالة والقدرة الإنتاجية المنفصلة والتي يتعذر الوصول إليها في الاقتصادات الناشئة إلى قطاعي التصنيع والتصدير مما أدى إلى نتائج مذهلة. حيث انتقل نشاط التصنيع من البلدان المتقدمة، ونمت صادرات الاقتصادات الناشئة بشكل أسرع من الاقتصاد العالمي، بسبب الحجم الهائل للعمالة المنخفضة التكلفة نسبياً في الاقتصادات الناشئة، كان نمو الأجور في القطاعات القابلة للتداول في الاقتصادات المتقدمة ضعيفاً حتى عندما لم يتحول النشاط إلى الاقتصادات الناشئة. وانخفضت القدرة التفاوضية للعمالة في الاقتصادات المتقدمة وامتد الضغط السلبي على الأجور المتوسطة والمنخفضة الدخل إلى القطاعات غير القابلة للتداول مع تحول العمالة النازحة في التصنيع إلى القطاعات غير القابلة للتداول.