الحرب الفكرية
في الأيام القليلة الماضية، انهمك الأردنيون في تتبع فصول حادثة أليمة طالت قلوب الجميع،إذ أقدمت ثلة ضالة مدججة بالسلاح متطرفة الفكر على استهداف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمدينة الكرك، راشقةً المصلين الآمنين بنيران حاقدة، ظانين بأنهم يقدمون خدمة لله.إن هذا الفعل الإجرامي لا يمثل مجرد خرق أمني عابر، بل يطرق باباً جوهرياً حول بيئتنا الوطنية، فالتنمية الحقيقية والوصول إلى اقتصاد ناضج عبر خلق بيئة جاذبة لاستثمار آمن ومستدام، يستوجب أولاً وقبل كل شيء حماية السلم المجتمعي واستئصال الفكر المتطرف الذي يحاول عبثاً هدم أركان الاستقرار.إن هذه الحادثة تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة وموجعة، فما الذي يدفع بشاب لحمل السلاح وقتل الاخرين الأبرياء؟ والإجابة المجرّدة تكمن في عنوان واحد فقط هو الحرب الفكرية، فالاختلاف في العقيدة والدين والمذهب لا يستدعي القتل، تلك هي الحرب الخفية التي تبث بذور التطرف في تربة العقول الغضة لتنبت إرهاباً يفتك بالأرواح ويهدد الأمن ويستهدف مقومات الدولة الاقتصادية والاجتماعية مرفوض جملة وتفصيلاً. إن اجتثاث الإرهاب جذرياً مستحيل ما لم يُقتلع من جذوره. فقبول الآخر واحترام الحريات والتمسك بالوسطية والاعتدال ليست شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل هي مربط الفرس والدرع الحصين الذي نبحث عنه.
المجتمع الأردني، تاريخياً وواقعياً مجتمع متماسك بصلابة فمسلموه ومسيحيوه إخوة في الدم والتراب ووحدتهم وطنية لا تهزها الريح. لكن، هناك من يسعى دوماً لتشويه هذه اللوحة الناصعة، فكيف السبيل إلى تطهير العقول واجتثاث هذا الفكر الظلامي؟العملية تبدأ من نقطة الصفر فالطفل الرضيع يولد على الفطرة، لا يعرف ديناً متطرفاً ولا عصبية مقيتة. وهنا يأتي الدور الأول للبيت والأسرة كخط دفاع أول في غرس مفاهيم المحبة والإنسانية. ثم المدرسة التي تقع عليها مسؤولية تقديم النماذج المشرقة للوطن، مما يحتم على وزارة التربية و التعليم مراجعة المناهج بشكل دوري ومستمر لتكون متوائمة تماماً مع رسالة عمان ومبادئ حقوق الإنسان.وأما الجامعات، فلم تكن يوماً مجرد قاعات للتلقين الأعمى، بل هي منارات للفكر المستنير والحرية المسؤولة. ومن هذا المنطلق، يجب أن ترتكز المحاضرات والمواد الوطنية على الطالب ليكون نموذجاً حياً للفكر الأردني المنفتح وقادراً على التفاعل الإيجابي مع بيئات العمل المختلفة مستقبلاً. وأما مؤسسات المجتمع المدني عليها أن تكون حاضنة لتوجيه طاقات الشباب نحو الإنتاج والإبداع، وحمايتهم من الشرذمة والوقوع في براثن الشرك الفكري والضياع.
وهنا يتسيد دور الدولة بكافة وزاراتها ومؤسساتها، إذ لا يمكن الحديث عن تكامل مؤسسي حقيقي بعيداً عن طاقات الشباب فحين نغمس الشباب في قلب المبادرات والتنمية الاقتصادية خصوصاً في خضم التطور التكنولوجي والذكاء الفائق فإننا نقطع الطريق أمام كل فكر هدّام. ولأجهزتنا الأمنية نقول أنتم صمام الأمان وأننا نثق تماماً بيقظتكم واحترافيتكم.رحم الله شهداء الوطن،وأننا نراهن على كل العقلاء الأردنيين باللحمة والوحدة الوطنية لأن القادم أجمل، ليبقى الأردن دائماً وأبداً ذلك العرين الدافئ الذي نتباهى به أمام الأمم في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم.
Dr.hhaddad@outlook.com
