الدستورية الرقمية

د. حسام باسم حداد

تولي الحكومات وصناع القرار اهتماماً بالانترنت كونه بات يمثل حقاً إنسانياً، فالحق الرقمي يمثل حق الوصول إلى الشبكة واستخدامها، ومن هذا المنطلق يتوجب العمل على دستور يوضح الحقوق والقيود. وما بين مفاهيم الانترنت والحق الرقمي والدستور جاءت الدستورية الرقمية كمفهوم لكي تترجم المبادرات الوطنية والدولية لإضفاء طابع دستوري يتجلى بقانون عالمي للانترنت. مثل الحق في الحصول على المعلومات والتحكم في البيانات الشخصية وإخفاء الهوية الرقمية، والحق في استخدام التشفير وضمان الشفافية والانفتاح في عمليات إدارة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. لا بد الحكومات أن توفر تأهيلاً مناسباً للمواطنين لاستخدام الشبكة وإيصال خدماتها بتكلفة زهيدة إلى كل مناطق الدولة والقضاء على الفجوات الرقمية. ظهر مفهوم الدستورية الرقمية في سياق الثورة الرقمية التي سطعت في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين ليشمل كافة حقول المعارف والعلوم التي تركز على الأدوات والجهات الفاعلة المشاركة في تعزيز القيم والمبادئ الدستورية التي تناسب العصر الرقمي.

تعرف الدستورية الرقمية على أنها مجموعة واسعة من المبادرات التي يقودها مجموعة من الفاعلين الذين يحاولون صياغة مجموعة من الحقوق السياسية ومعايير الحوكمة والقيود المفروضة على ممارسة السلطة على الإنترنت. إنها أيديولوجية تهدف إلى إنشاء إطار معياري لحماية الحقوق الأساسية وتوازن السلطة في المجتمع الرقمي من أجل دسترة البيئة الرقمية. ونظراً لأن التكنولوجيا الرقمية قد أحدثت تغييرات في التوازن الدستوري، فقد أصبح من الضروري بشكل متزايد تعديلها لتتوافق مع التحديات الجديدة في شكل يعالج خصوصيات المجتمع الرقمي بشكل أفضل. إن تطور الدستورية الرقمية لا يتعارض مع تغير قيمها ومثلها ومبادئها الأساسية بمرور الوقت. إن الدستورية اليوم مرادفة لقيم الديمقراطية وسيادة القانون وفصل السلطات في السيناريو المتغير للمجتمع الرقمي. حيث ترتبط الدستورية بفكرة حماية جميع الحقوق سواء كانت مدنية أو سياسية أو اجتماعية اقتصادية أو ثقافية.

تشهد البيئة الرقمية وتقنياتها تغييرات وتطورات هائلة مدعومة بالجيل الخامس وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ولكن المخاوف تتنامى في خضم إعادة تشكيل إدارة الانترنت مما يؤثر على التوزيع العام للسلطة والقدرة على ممارسة الحقوق والحريات. إن تجزئة عالم المعلومات العالمي إلى فضاءات وطنية للسيادة الرقمية، والتشعب المتزايد للتكنولوجيات القائمة على الإنترنت على طول الانقسامات الأيديولوجية، والديناميكيات المعقدة التي تلعبها كل من السلطات العامة والخاصة تثير أسئلة حول حماية الحقوق الأساسية وتحدياتها. ومع إعادة تعريف الإنترنت بسبب تطور التقنيات الرقمية فإن الدستورية الرقمية تتعدى حدود الدول. إن المعايير والبروتوكولات التي تم تطويرها في الأنظمة لها ايجابياتها وسلبياتها من حيث التحكم والمراقبة العالمية في وقت يتزايد فيه الاستقطاب التكنولوجي. ولكن من ناحية أخرى تمارس الجهات الفاعلة الخاصة أشكالًا جديدة من الضغط والتأثير على التقنيات الرقمية مما يؤثرعلى العمليات الديمقراطية القائمة وحماية الحقوق الأساسية. لذا فإن المرحلة الجديدة من حوكمة الانترنت تضمن الحقوق والحريات للمواطنين الرقميين وتخلق نموذجا جديد للحياة الاجتماعية. حيث أن استخدام التكنولوجيا الرقمية تجعل الدول أكثر سيطرة على استقراراها الأمني والاقتصادي والثقافي والبيئي. ومع ذلك لا تزال العملية معقدة لإضفاء الطابع الدستوري على المجتمع الرقمي، إذ إنها ليست منسقة مركزياً، ولا يوجد مؤطر دستوري عالمي واحد. ففي بيئة رقمية عالمية يجب أن يحدث الدستور فارقاً على المستويات المجتمعية المختلفة على المستوى الدولي وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني.